محمد بن علي الشوكاني
1117
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الآخر لكون قول الله تعالى : { وانظر إلى حمارك } سوقا للتعجيب من تماسك جسم المار وحفظه عن التفرق في تلك المدة مع مصير ما ينتظم معه في جنس الحيوانية ، فهي فيها رمة بالية نخرة ، وحفظ طعامه وشرابه عن التسنه بعد مضي مدة صار فيها الحمار إلى تلك الصفة ، ويمكن أن يقال على هذا التقدير أن أمر المار بالنظر إلى رمة الحمار لما سيحدثه الله تعالى من إنشارها وإعادة ما كان على تلك الصفة حيا سويا ، ليكون ذلك من الاستدلال إلى موضع الاستبعاد . مما يماثله ، ويكون قوله : { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } ( 1 ) مقررا لقوله : { وانظر إلى حمارك } ، ولكن الوجه هو التقرير
--> ( 1 ) أخرج الن جرير في " جامع البيان " ( 3 / ح 3 / 43 ) : عن أبي عباس في قوله { كيف ننشزها } كيف نخرجها . وأخرج عن السدي { كيف ننشزها } قال : تحركها . ثم قال ابن جرير : وقرأ ذلك آخرون : { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } بضم النون ، قالوا من قول القائل : أنشر الله الموتى فهو ينشرهم إنشارا . وذلك قراءة عامة قراء أهل المدينة ، . بمعنى : وانظر إلى العظام كيف نحيها ثم نكسوها لحما . وأخرج ابن جرير في " جامع البيان " ( 3 ج 3 / 44 ) عن مجاهد ( محيص ننشزها ) قال : نظر إليها حين يحييها الله . . قال ابن جرير في جامع البيان ( 3 ج 3 / 44 ) : والقول في ذلك عندي أن معنى الإنشار ، ومعنى الإنشاز ، متقاربان ، لأن معنى الإنشاز : التركيب والإثبات ، ورد العظام من العظام ، وإعادتها لا شك أنه ردها إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها ، مهما وإن اختلفا في اللفظ ، فمتقاربا ألم ! ت ، وقد جاءت بالقراءة هما الأمة مجيئا يقطع العذر ويوجب الحجة فبأيهما قرأ القارئ فمصيب لانقياد معنييهما ، ولا حجة توجب لأحدهما من القضاء بالصواب على الأخرى . . وإن ظن ظان أن الإنشار إدا كان إحياء فهو بالصواب أولى ، لأن المأمور بالنظر إلى العظام وهي تنشر إنما أمر به ليرى عيانا ما أنكره بقوله { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } فإن إحياء العظام لا شك في هذا الموضع إنما عني به ردها إلى أماكنها من جسد المنظور إليه ، وهو يحيا ، لا إعادة الروح التي كانت فارقتها عند الممات ، والذي يدل على ذلك قوله { ثم نكسوها لحما } ولا شك أن الروح إنما نفخت قي العظام التي أنشرت بعد أن كسبت اللحم . وإذا كان دلك كذلك ، وكان معنى الإنشاز تركيب العظام وردها إلى أماكنها من الجسد ، وكان ذلك معنى الانشار ، كان معلوما استواء معنييهما ، وأنهما متفقا المعنى لا مختلفاه ، ففي ذلك إبانة عن صحة ما قلنا فيه . وأما القراءة الثالثة فغير جائزة القراءة بها عندي وهى قراءة من قرأ { كيف ننشزها } بفتح النون وبالراء لشذوذها عن قراءة المسلمين وخروجها عن الصحيح من كلام العرب .